المناوي

73

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

وكان يقال له الأوّاه ، لشدّة رأفته وكمال تقواه ، وأكرم بسماعه مناجاة جبريل للمصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، لكنّه كان لا يراه . وله في الإسلام المواقف العالية ، منها : قصّة يوم ليلة الإسراء ، وثباته وجوابه للكفّار في ذلك ، وهجرته مع الرسول تاركا للمال والعيال والأطفال ، وفداؤه بنفسه في الغار ، ثم كلامه يوم بدر ، ويوم الحديبية ، وثباته حين اشتبه الأمر على غيره في تأخّر دخول مكّة ، ثم فهمه وبكاؤه بشدّة حين قال المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ عبدا خيّره اللّه بين الدنيا والآخرة فاختار ما عنده » « 1 » . ثم ثباته عند المصيبة العظمى التي خرس عندها فصحاء فحول الرّجال ، ولذلك قال بعض أهل الكمال : إنّه أشجع الصّحابة في الأقوال والأفعال ، فإنه لما توفّي المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ذهل من ذهل ، وخرس من خرس ، وأقعد من أقعد ، وقال عمر رضي اللّه عنه وقد سلّ سيفه : من قال إنّ نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم مات ، ضربت عنقه بسيفي هذا ، فصعد المنبر وقال : أمّا بعد ، فمن كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإنّ اللّه حيّ لا يموت وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ آل عمران : 144 ] . وكان رضي اللّه عنه يتوصّل بعد الوفاء ؛ إلى أرفع مواقف الصّفاء . « 2 » [ وقد قيل : التّصوّف : تفرّد العبد بالواحد الصّمد . وكان من أخلاقه الفاضلة ، وأحواله الشريفة الكاملة ، العزوف عن العاجلة للأزوف من الآجلة ] « 2 » . وقد قيل : التّصوّف : تطليق الدّنيا بتاتا ، والإعراض عن منالها ثباتا . استسقى يوما ، فأتي بإناء فيه ماء وعسل ، فبكى وأبكى من حوله ، فسكت وما سكتوا ، ثم عاد فبكى حتّى علا النّحيب ، وتواجد البعيد والقريب ، ثم أفاق من غشيته ، ومسح وجهه ببردته ، فقالوا : ما هاجك على ذلك ، حتّى ظنّ كلّ

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2382 ) في فضائل الصحابة ، باب من فضائل أبي بكر ، والترمذي ( 3659 ) في المناقب ، باب مناقب أبي بكر . ( 2 - 2 ) ما بينهما ليس في ( ب ) .